سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
295
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
في خلقه ؟ هذا أمر يعترف به طلاب الحقائق فضلا عن الواصلين وإن بعضا من حكماء الإفرنج وعلماء سياستهم التجئوا إلى الخضوع لسلطة القضاء وأطالوا البيان في إثباتها ولسنا في حاجة إلى الاستشهاد بآرائهم . إن للتاريخ علما فوق الرواية ، عنى بالبحث فيه العلماء من كل أمة وهو العلم الباحث عن سير الأمم في صعودها وهبوطها وطبائع الحوادث العظيمة وخواصها وما ينشأ عنها من التغيير والتبديل في العادات والأخلاق والأفكار ، بل في خصائص الإحساس الباطن والوجدان وما يتبع ذلك كله من نشأة الأمم وتكوّن الدول أو فناء بعضها واندراس أثره . هذا الفن الذي عدوه من أجلّ الفنون الأدبية وأجز لها فائدة ، بناء البحث فيه على الاعتقاد « بالقضاء والقدر » والإذعان بأن قوى البشر في قبضة مدبر الكائنات ومصرف للحادثات ولو استقلت قدرة البشر بالتأثير ما انحط رفيع ولا ضعف قوي ولا انهدم مجد ولا تقوض سلطان . الاعتقاد بالقضاء والقدر إذا تجرد عن شناعة الجبر ، يتبعه صفة الجرأة والإقدام وخلق الشجاعة والبسالة ويبعث على اقتحام المهالك التي ترجف لها قلوب الأسود وتنشق منها مرائر النمور . هذا الاعتقاد يطبع الأنفس على الثبات واحتمال المكاره ومقارعة الأهوال ويحليها بحلى الجود والسخاء ويدعوها إلى الخروج من كل ما يعز عليها ، بل يحملها على بذل الأرواح والتخلي عن نضرة الحياة ، كل هذا في سبيل الحق الذي قد دعاها للاعتقاد بهذه العقيدة . الذي يعتقد بأن الأجل محدود والرزق مكفول والأشياء بيد اللَّه يصرفها كما يشاء كيف يرهب الموت في الدفاع عن حقه وإعلاء كلمة أمته أو ملته والقيام بما فرض اللَّه عليه من ذلك وكيف يخشى الفقر مما ينفق من ماله في تعزيز الحق ، وتشييد المجد على حسب الأوامر الإلهية وأصول الاجتماعات البشرية . امتدح اللَّه المسلمين بهذا الاعتقاد مع بيان فضيلته في قوله الحق « الّذين قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا اللَّه ونعم الوكيل ( 173 ) *